آدم عليه السلام #4
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد: أهلاً ومرحباً بكم في اللقاء الرابع من قصة آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
آخر مرة انتهينا إلى أن إبليس استطاع أن يقنع آدم أن يأكل من الشجرة، قاسمه إني لكما لمن الناصحين، فدلاهما بغرور، غرَّ آدم، استغل الشهوة، استغل الغفلة، استغل القسم، وحصل ما حصل من آدم، عصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه، وهذا سيكون كلامنا المرة القادمة. لكن أريد أن أقف مع قول الله تعالى هنا بعد ما أكل آدم من الشجرة، قال تعالى: "فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ".
حقيقة، هذا مشهد عجيب جداً، أولاً، من الأشياء الملفتة أصلاً في كلام الله تعالى لموسى عن الجنة أنه قال له: "إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى"، هذا يدل على أن من النعيم ألا يتعرى الإنسان، وأن من العقوبة أن يتعرى الإنسان، وأن من إكرام الإنسان أن يكون مستوراً، وأن من إهانة الإنسان أن يكون عارياً. "يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا".
إذاً، نزع الثياب عن الإنسان هو مقصد من مقاصد الشيطان، كمال الإنسان في الستر، نقص في العري، وهذا المفهوم الذي تحاول الحركات التحررية، الحركات النسوية، الحركات الليبرالية أن تقنعنا بعكسه، أن اللبس جمود، وأن التحرر في العري، وأن المرأة كلما تحررت من الثياب كلما كان ذلك نموذجاً راقياً، وهذه قدوة.
يبدؤون بالتطبيل لحاجات كثيرة، ممكن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها من أجل البوركيني، أن واحدة نزلت البحر أو المسبح بلباس مغطي جسمها، مع أنه ممكن يكون ضيق وليس هو المثالي، ولكن مجرد أنها فكرت تنزل البحر وهي لابسة لبس غير كاشف لجلدها، هذه مصيبة بالنسبة لهم! مع أن البوركيني نفسه ليس بالساتر الكامل، فهي في النهاية نزلت أمام الرجال، ولكن حتى هذا الأمر عندهم مصيبة! كيف نسمح بذلك؟ يمكن أن يبقى الأمر "ترند" لأيام وليالي، يتكلمون فقط عن كيف نزلت، يجب أن نحارب البوركيني!
أنت ماذا تريد؟ لماذا يهمك ذلك؟ لا، يجب أن ترتدي اللباس الذي نريده نحن! لقد وصلنا لمرحلة متقدمة، البنات ينزلن البحر بقطعة وقطعتين، هل سنعود إلى الخلف ونرتدي البكيني؟ لا، بل نتحجب؟ هناك كارثة وصراع كبير جداً يدور في العالم حول فكرة نزع الحجاب عن المرأة بكل درجاته، ليس فقط النقاب والخمار، بل أي تغطية للمرأة عندهم تعتبر مشكلة، الوصول للعري التام مقصد من مقاصدهم.
وإلا، فما الذي يمنعهم من المشي عراة تماماً في شوارعهم؟ القانون فقط هو ما يمنعهم، لأنه يعتبر ذلك خادشاً للحياء. إذن، من عقوبة الله للإنسان أن يبتليه بالعري أو أن يُزين في عينه العري، كشف السوءة. "بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا"، هذا شيء يسوء الإنسان بالفطرة. فلباس المرأة، كشف شعرها، كشف مفاتنها، ارتداء الضيق أو الشفاف، التبرج، هو ضد الفطرة.
وهذا حتى تراه في أولادك الصغار، لو كان لديك بنت صغيرة وعمرها ثلاث أو أربع سنوات، ودخلت عليها وهي تغير ملابسها، ستجدها متضايقة جداً ومحرجة، تغطي نفسها وتختبئ، وتحزن جداً لأن والدها دخل عليها وهي بهذا الشكل. فطرة! من الذي علمها أن هذا الأمر محرج جداً؟
لكن الناس يشتغلون على عقلك حتى تستسلم لهم، ومع الوقت تفسد الفطرة، وتقنع نفسك أنك على صواب، وهذا ما بينه الحديث، أن الإنسان يظل يتبع المنكرات حتى يصبح كالأعمى، لا يعرف المعروف ولا ينكر المنكر، تصبح الرؤية ضبابية، لا يستطيع التمييز.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما"، وذكر منهم "نساء كاسيات عاريات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها".
لذلك، التبرج هو سنة إبليس، ربنا قال: "وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى". فلو جاءت إحداهن وقالت: التبرج حرية، نقول لا، التبرج تخلف، التبرج عودة إلى الوراء، التبرج عودة إلى الجاهلية. الإنسان كُرِّم بالثياب: "يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا". اللباس نزل لبني آدم تكريماً لهم، فكلما ارتدى الإنسان أكثر كان أكثر كرامة، وكلما خلع ثيابه كان أكثر انحطاطاً.
لهذا، خلع الثياب من تصرفات الجاهلية، من التصرفات الحيوانية، من التصرفات الرجعية، وأما التقدم والرقي فهو في الستر وفي اللبس وفي ستر العورات. فالذين يدعون إلى التبرج يدعون إلى العودة إلى الوراء، وليس إلى التقدم.
ثم حتى منطقياً، التبرج ليس له أي مصلحة، هو مفسدة حتى في أمور الدنيا، يضيع الوقت، يهدر المال، يفسد القلب. المرأة المتبرجة تصل لمرحلة يصبح قيمتها في شكلها وجسدها، فتضيع منها القيم الأهم، مثل العقل والروح والأخلاق.
والنهاية تكون أن المتبرجة لا تستفيد لا في دنياها ولا في آخرتها، لأنها حتى لو تزوجت من شخص معجب بها بسبب التبرج، فهو شخص غير تقي، وسينظر إلى غيرها، فتبدأ المشاكل والغيرة، وفي النهاية لا تجد سعادتها في الزواج، بل يصبح زواجاً فاسداً.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والثبات.
لذلك آدم وحواء من الفطرة السليمة تفقها، فماذا فعلا؟
يخصفان عليهما من ورق الجنة. لاحظوا يا جماعة، آدم أُهبط من الجنة لأنه أكل ثمرة من شجرة. سبحان الله! بعض الناس ينظرون إلى الذنب على أنه شيء صغير.
يعني، هناك من يقول: "كل هذه القصة بسبب شعرتين ظهرتا من تحت الحجاب؟ هل من المعقول أن يكون هذا الأمر مشكلة عند الله؟" أو "هل نظرة واحدة لفتاة يمكن أن تدمر العالم وتجعلني أدخل النار؟" هذا التفكير يقيس الذنب بحجمه فقط، وكأن الله لا يهتم إلا بالذنوب الكبيرة.
لكن القضية ليست في حجم الذنب، بل في العبودية. الأمر ليس مجرد معصية صغيرة أو كبيرة، بل خروج عن طاعة الله. عندما تنظر رغم أن الله أمرك بغض البصر، فهذه معصية عظيمة عند الله. ولذلك، قيل: "لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر من عصيت".
لو والدك طلب منك كوب ماء ولم تحضره، فالأمر ليس في حجم الطلب، بل في استهانتك بطلب والدك. فما بالك بأمر الله؟ آدم أُهبط من الجنة بسبب أكله من شجرة! لم يكن السبب هو مجرد أكل ثمرة، بل لأنه أخل بالعبودية لله.
المجرمون عندما دخلوا النار قالوا: "ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها". فكانت الصغائر سبب هلاكهم. والنبي ﷺ قال: "إياكم ومحقرات الذنوب"، لأنها تتراكم حتى تهلك الإنسان.
آدم لما أذنب، لم يكن يعرف كيف يتوب لأنه أول البشر وأول من يرتكب معصية، فكيف عرف؟
الله سبحانه وتعالى علمه كيف يتوب، فقال في سورة البقرة: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه". أي أن الله ألهمه كلمات التوبة، وهي: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين".
وهذا المعنى عظيم جدًا، أن الله علم آدم كيف يتوب، مما يعني أن توبة الله عليك تسبق توبتك أنت. قبل أن تتوب، كان الله قد اختارك ووفقك للتوبة. وهذا ما يظهر في قصة كعب بن مالك، حيث قال الله: "ثم تاب عليهم ليتوبوا"، أي أن الله تاب عليهم أولًا فوفقهم للتوبة.
إذن، لا يأس مهما بعدت. يمكنك أن ترجع، بل وتصل لمنزلة أعلى مما كنت عليه. مثل كعب بن مالك الذي تأخر عن غزوة تبوك، لكنه بعد التوبة أصبح أفضل مما كان عليه قبل ذلك. لذا، لا تستسلم، وارجع إلى الله بصدق، فقد تصل إلى درجة أعظم مما كنت عليها.
احنا نلحظ حاجة، نلحظ إن آدم عصى صح؟ وإبليس عصى، طيب ما هو برضه إبليس عصى! طب ليه ربنا تاب على آدم وما تابش على إبليس؟ وليه آدم معصيته كانت مجرد معصية وما كفرش بيها، لكن ربنا اعتبر معصية إبليس كفر على طول؟
لأن في فرق بين المعصيتين! معصية آدم ما كانتش اعتراض على الأمر نفسه، إنما كانت مخالفة للأمر بس، مش اعتراض على ذات الأمر.
أما معصية إبليس، فما كانتش مجرد مخالفة للأمر، لا، دي كانت اعتراض على ذات الأمر نفسه! فآدم مع المعصية كان فيها ندم واستغفار، لكن إبليس مع معصيته كان فيها إباء واستكبار، فمعصية آدم فظلت معصية، أما معصية إبليس فتحولت إلى كفر.
يعني إيه الكلام ده؟ يعني في فرق كبير يا جماعة بين إن ربنا يأمر بأمر وما أعملوش، وبين إن ربنا يأمر بأمر وما يعجبنيش! فرق شاسع!
مثال واقعي
عندنا اتنين متبرجات، واحدة تقول لها:
- "يا ستي، البسي الحجاب"
فترد: - "ادعي لي، ربنا يهديني، أنا عارفة إن الحجاب جميل وأمر من ربنا، بس أنا مقصرة، ادعي لي"
دي اسمها عاصية، معصيتها معصية بس، مش كفر.
أما الثانية لما تقول لها:
- "يا ستي، البسي الحجاب"
فترد: - "حجاب إيه؟! الحجاب ده تخلف! الحجاب ده رجعية! أنا ماليش دعوة بالكلام ده، ما يلزمنيش!"
دي كافرة، لأن مشكلتها مش في لبس الحجاب، مشكلتها في الاعتراض على أمر الله سبحانه وتعالى.
مثال تاني
واحد تقول له:
- "صلِّ"
فيقول لك: - "ادعي لي، ربنا يهديني، إن شاء الله هبدأ أصلي"
ده عاصي، لكنه مش كافر.
أما لو قلت له:
- "صلِّ"
فقال لك: - "صلاة إيه؟! أقعد أوطي أنا؟! والهبل اللي أنتوا بتعملوه ده! الصلاة دي تخلف!"
ده كافر، لأنه سخر من طاعة الله سبحانه وتعالى.
الفرق الجوهري بين آدم وإبليس
آدم عصى، لكنه انكسر وندم وتاب بسرعة.
أما إبليس ما عصاش بس، ده قال لربنا:
- "لَم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال!"
يعني اعترض على أصل الأمر، وقال أنا مش هعمل كده، كلامك غلط، ليه أسجد أصلاً؟!
فكان اعتراضه على حكمة الله، وكبر على أمر الله، فالموضوع اتحول من معصية إلى كفر.
نقطة مهمة لازم نفهمها
لو عصيت ما تكبرش الموضوع، الشيطان يزين لك الاعتراض على الأمر نفسه عشان تريح ضميرك، وبدل ما كنت عاصي، الشيطان يخليك كافر!
بعض الناس لما تتنصح كتير، الشيطان يلعب في دماغهم، وبدل ما يقول "أنا مقصر"، يروح يقول:
- "أصل الأمر ده مش منطقي!"
- "الكلام ده تخلف!"
هنا الشيطان نقلهم نقلة سودا، نقلهم من عاصي إلى كافر!
فحتى لو عصيت ربنا، خليها في حدود المعصية، وارضى بالله ربًّا، وبأمره حكمًا، وقول:
- "أنا اللي غلطان، وربنا أمره جميل"
لكن إياك توصلها لدرجة الاعتراض على الأمر والسخرية منه، فتتحول من عاصي لكافر!
الدنيا مش دار مقام، دي دار امتحان
ربنا قال بعدها:
اهبطوا إلى الأرض، ولكم فيها مستقر ومتاع إلى حين
إحنا مش طولانين في الدنيا، كلنا هنعيش فترة قصيرة، والموضوع امتحان، كل حياتك أسئلة، وكلنا مُبتلون، علشان ربنا يشوف إحنا هنعمل إيه.
وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون؟ وكان ربك بصيرًا
فما ينفعش حد يقول:
- "أنا عايز أعيش حياتي!"
- "هي يومين وهنقضيهم"
لاااااااااا، دي غلطة العمر!
حياتك هي رأس مالك، لا تضيعها في سجائر، قهاوي، ماتشات، هري، لأن الوقت هو الكنز الحقيقي.
كل دقيقة ممكن ترفعك في الجنة!
من قال: "سبحان الله وبحمده"، غُرست له نخلة في الجنة
امتحانك بيخلص في أي لحظة، الموت بييجي بغتة، فإياك تضيّع وقتك، واشتغل للآخرة، لأن النهاية:
إما جنة، أو نار.
اللهم ارزقنا الفردوس الأعلى، وردّنا إليك مردًا جميلًا
جزاكم الله خيرًا
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
1.png)