آدم عليه السلام #5

آدم عليه السلام #5

 

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أهلاً ومرحباً بكم في اللقاء الخامس والأخير من قصة آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

اليوم سنتحدث عن معاني جميلة راقية متعلقة بما انتهت إليه قصة آدم مع الذنب، وما آل إليه أمره من التوبة، ثم كيف اجتباه الله سبحانه وتعالى وهداه واصطفاه وتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم.

آدم عليه السلام سيظل نموذجًا يُحتذى به، ويظل قدوة للعالمين رغم أنه أذنب، لكنه يظل قدوة للعالمين في سرعة التوبة وفي الندم. الندم هو أول منازل التوبة، الندم أن يظل الإنسان مكسور القلب بسبب الذنب، وهذه بداية الخير. الانكسار الذي يحدث في قلب العبد بسبب الذنب قد يكون سببًا في خير كبير، كما سنبين الآن.

آدم عليه السلام كان واضحًا جدًا أنه عندما وقع في الذنب، ندم ندمًا شديدًا. أول شيء فعله أنه بدأ يغطي نفسه بورق الجنة، لم يكن الأمر بالنسبة له بسيطًا، لم يكن غير مبالٍ، بل كان حريصًا على أن يعرف كيف يتوب. وبمجرد أن علم الكلمات التي علمه الله إياها، قالها فورًا: "ربنا ظلمنا أنفسنا".

سنتعلم من آدم عليه السلام أشياء كثيرة، لكن من الأشياء التي تدل على شدة ندمه حديث الشفاعة. حديث الشفاعة يوضح لنا كيف أن الأنبياء يحملون في قلوبهم ندمًا شديدًا على الذنوب، لدرجة أن هذا الندم يرافقهم حتى يوم القيامة. رغم أن كل نبي ربما يكون قد فعل ذنبًا واحدًا فقط في حياته، وربما يكون ذلك الذنب وقع عن طريق الخطأ أو النسيان، إلا أن القلب يبقى مكسورًا بسببه.

وهذا من أجمل العبوديات التي يحبها الله، لأن هذا الشعور يدفع الإنسان لأن يكون أفضل، لأن يسعى إلى الخير، لأن يعمل الصالحات. عندما يتذكر الإنسان ذنبه، يتحفز لعمل الصالحات.

في يوم القيامة، يأتي الناس إلى آدم كما جاء في الحديث، فيقولون له: "يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده وأسكنك جنته"، فيقول: "أكلت من الشجرة"، ويقول لهم: "اذهبوا إلى غيري". رغم أنه يعلم أن الله قد تاب عليه، لكنه يشعر بالحياء من الله. هناك شيء يسمى الحياء من الله، حتى لو غفر الله لك، يظل الحياء من الله ملازمًا لك.

وهذا معنى قول أحد السلف: "وأسوأتاه وإن عفوت". تخيل أنك أخطأت في حق رجل كريم، رجل له فضل عليك، ثم علم هذا الرجل أنك ندمت، فجاء إليك وقال لك: "أنا سامحتك". كيف سيكون شعورك؟ ستشعر بحياء أشد من الحياء الذي شعرت به عند ارتكاب الخطأ. ستقول لنفسك: "أنا لا أستطيع أن أنظر في وجهه من كرمه".

آدم عليه السلام، رغم أن الله قد عفا عنه، إلا أن هذا العفو زاده حياءً. وهكذا يبقى الإنسان بين بقايا الندم وشدة الحياء من الله، وهذان الشعوران من أنفع المشاعر في قلب الإنسان.

لذلك، من شدة ندم آدم وحيائه من الله، رفض الشفاعة، وقال: "إني أكلت من الشجرة". ثم يذهب الناس إلى نوح عليه السلام، فيقول: "استعجلت الدعاء على قومي". ثم يذهبون إلى موسى عليه السلام، فيقول: "قتلت نفسًا"، رغم أنه قتلها خطأً، والله تاب عليه. لكن الأمر عند الأنبياء أعمق من ذلك بكثير.

تخيل هذا الندم الذي يحمله الأنبياء! النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الندم توبة"، والندم هو أول منازل التوبة. لذلك، إذا أذنبت، فلا تكن غير مبالٍ، بل احرص على الندم. بعض الناس يحاولون قتل هذا الشعور، ولكن لا تقتله، لأن هذا الشعور هو الذي سيدفعك إلى الإصلاح.

يقول أحد السلف: "رب معصية أدخلت صاحبها الجنة، ورب طاعة أدخلت صاحبها النار". كيف ذلك؟ قال: العاصي إذا ندم، استمر في عمل الحسنات حتى غفر الله له، بينما الطائع إذا أعجب بطاعته وافتخر بها، فقد يدخل النار بسبب عُجبه بنفسه.

عكرمة يفسر ذلك بقوله: "إن الشيطان يزين للعبد الذنب حتى يقع فيه، فإذا وقع فيه، تبرأ منه. ولا يزال العبد يبكي منه، ويتضرع إلى ربه، ويستكين، حتى يغفر له ذلك الذنب وما قبله من الذنوب. وعندها يندم الشيطان لأنه تسبب في توبة العبد وغفران ذنوبه".

آدم عليه السلام ندم، لكنه أيضًا سارع إلى التوبة. فبمجرد أن تلقى كلمات التوبة، قال: "ربنا ظلمنا أنفسنا"، وهذا أمر مهم. الله سبحانه وتعالى يقول: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم".

إذا وقعت في ذنب، فهذا ليس نهاية العالم. بعض الناس يدخلهم الشيطان في دوامة الإحباط واليأس، فيوسوس لهم أنهم لا فائدة منهم، وأنهم سيكررون الذنب دائمًا. لكن الحقيقة هي أنك مهما وقعت، عليك أن تقوم. إن الله لا يمل حتى تمل، الله غفار، يغفر الذنوب جميعًا مهما كثرت.

لكن حتى تكون توبتك صادقة، عليك أن تعزم على عدم العودة إلى الذنب. قل: "يا رب، لن أعود لهذا الذنب أبدًا"، وحاول، وجاهد نفسك. وإن وقعت مرة أخرى، فجدد التوبة بسرعة.

هل التوبة الأولى ضاعت؟ لا، مقبولة بإذن الله، لأنك عندما تبت في المرة الأولى، كنت عازمًا على عدم العودة. وعندما تجدد التوبة، تبدأ صفحة جديدة مع الله، وتُكتب لك حسنات جديدة.

السرعة في التوبة أمر مهم جدًا، لأن الشيطان يستغل لحظات الضعف ليجرك إلى المزيد من المعاصي. عندما تضعف وتقع في الذنب، يحاول أن يجعلك تقع في ذنوب أخرى متتالية. ولكن كن أذكى منه، لا تفتح له المجال، بل سارع إلى التوبة فورًا.

المهم هو أن تفهم أن الله رحيم، وأنه يقبل التوبة، وأنك كلما أسرعت في التوبة، كنت أقرب إلى المغفرة والرحمة.

أديك مثال، واحد مثلا كان بيصلي بالناس في المسجد، بيحفظ قرآن، بيحضر درس علم، ملتحي وكده، فحصل إنه كلم بنت أو عمل العادة السرية أو وقع في مشهد إباحي واتفرج عليه. طبعا، صدمة كبيرة بالنسباله، حاجة بقاله سنين ما عملهاش ووقع فيها، فمتضايق جدا من نفسه.

فالشيطان دخل له على طول، أو هو قرر من دماغه إنه "ما تنزلش بقى تصلي في المسجد، ما تنفعش، اللي انت فيه ده، توب الأول وبعد كده انزل المسجد". فبدأ يترك صلاة الجماعة، أو يترك إمامته للناس، أو يترك حفظ القرآن، أو لا يحضر مجلس العلم.

والشيطان أقنعه إنه لازم يعمل كده، علشان "ما انت وقعت خلاص، ما ينفعش تصلي بالناس وانت بتبص للبنات، ما ينفعش تحفظ قرآن لغاية ما تتوب من اللي انت فيه". فبدل ما تكون المعصية واحدة، بقت معاصي كثيرة. مش بس خلاه يقع في معصية، خلاه يتخلى عن كل أسلحته، وهي دي الأسلحة اللي هترجعه، والأسوأ من كده إنه يوقعه في معاصي تانية.

فيجي صاحبنا، بعد ما وقع في الإباحية دي، يحبط. فممكن ينزل يقعد على قهوة من شدة الإحباط، يقابل واحد زميله يديه له سيجارة، يقبلها، ضعف بقى، خلاص، شاف الإباحية، يروح يتفرج على فيلم أجنبي قديم كان عايز يشوفه، يقول "يلا كله بيجيب بعضه".

فمهم جدا جدا جدا، ودي أهم كلمة هقولها، إنك لو وقعت في معصية، فحصر الوقوع في هذه المعصية فقط لا غير. ما تعملش حاجتين:

  • ما تعملش معصية تانية تلحق المعصية الأولى بسبب الإحباط أو النفسية السيئة.
  • لا تترك أي طاعة من الطاعات اللي كنت بتعملها بسبب المعصية دي.

أوعى! لأن الشيطان على طول بيستغل لحظة الضعف دي يحاول يزود المعاصي ويحاول يخليك توقف عن الطاعات.

دلوقتي خلاص، كلمت بنت أو وقعت في العادة السرية، حصل اللي حصل.

  • سارع للندم، اسارع إلى التوبة، استغفر الله سبحانه وتعالى.
  • اغتسل، اعزم إن ده مش هيحصل تاني، وانزل صلِّي في المسجد عادي، روح درس القرآن عادي، احفظ القرآن عادي، احضر مجلس العلم عادي.
  • ما تبصش للنساء، ما تشوفش مسلسل ولا فيلم، وما تديش الشيطان حاجة ما كانش يحلم بيها.

ما تبقاش هو خد منك واحدة، تديله ثلاثة طواعية! قاوم! بل بالعكس، المفروض لو وقعت في معصية، تزود الطاعات مش تهرب منها وتقللها.

بمعنى:

  • "أنا وقعت في معصية؟ طب تعالَ بقى، أنا هتوب وهزوِّد الطاعات عشان ربنا يسامحني".
  • مش ربنا قال "إن الحسنات يذهبن السيئات"؟ يبقى أنا مثلا، عملت المعصية الفلانية، يبقى بكرة هصوم.
  • عملت المعصية الفلانية، يبقى الصلاة الجاية هتصدق بمبلغ كذا.
  • عملت المعصية الفلانية، يبقى هحفظ ضعف وردي في القرآن.

ده المفروض، عشان الحسنات تذهب السيئات، وعشان الشيطان يندم إنه وقعك في المعصية دي، وعشان الشيطان ما يجيلكش تاني. هو مش هيجيلك، لأنه هيعرف إنك سكتك واقفة، ومثلك ما ينفعش إن الشيطان يعمل معاه كده، لأنك كل ما تقع، تزود الطاعات.

الشاهد، إننا بنتكلم في حاجتين:

  • ما تتخلاش عن طاعة.
  • ما تقعش في معصية تانية.
  • ما تملش، ما تزهقش.

جملة جميلة:
الشيطان ليس هدفه الأساسي إنك تقع في الذنب، إنما هدفه الأساسي إنك تيأس من تكرار التوبة.

الشيطان مش مشكلته إنك وقعت، لأنه عارف إنك ممكن ترجع وربنا يقبلك وخلاص، اللي هو عمله راح. المشكلة عنده، إنه يوصلك لمرحلة "أنا زهقت من نفسي، مش هتوب تاني".

مهم جدا تتعامل بقاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع.
الشيطان بيهاجم؟ هاجمه!

إزاي؟

  • ادعُ إلى الله.
  • حذر الناس من المعصية اللي وقعت فيها.
  • علِّم غيرك مداخل الشيطان.

لو وقعت في معصية، توب منها، وخلي شغلك تحذير الشباب من نفس الذنب. صدقني، الشيطان هيكون أبعد ما يكون عن شخص زيك.

طيب، لو وقعت في ذنب، هل ده معناه إن "ربنا لا يريدني"؟

طبعا، الكلام ده غلط.
ربنا قال: "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما".

يعني ربنا يريد يتوب عليك، فلا تقول "ربنا لا يريدني"، ده كلام مش صحيح.

كل ما ترجع، ربنا يقبلك، بل ويفرح بك!
ربنا قبل توبة قاتل مائة نفس! بس الراجل كان عنده صدق، ورغبة حقيقية في التوبة.

مش العجب إن ربنا يغفر لك، لكن العجب إنه بعد المغفرة يتودد إليك!
ربنا قال: "وهو الغفور الودود".

يعني مش بس يغفر، بل يتحبب لعبده، ويتودد إليه، ويمحي الماضي تماما كأنه لم يكن.

وأخيرًا، عشان تكتمل توبتك، لازم تتأكد إن ذنبك ما كانش فيه حق لآدمي.

  • لو سرقت حد، لازم ترجّع له فلوسه.
  • لو ظلمت حد، لازم تستسمحه.

بعض الناس يتوب، ويقول "أنا ماليش دعوة بالناس، أنا توبت"، لا! دي توبة ناقصة. لازم رد المظالم لأهلها، عشان التوبة تكتمل وتكون صادقة.

الحاجات المهمة عشان تتوب

في حاجة اسمها حماية التوبة، صيانة التوبة، حراسة التوبة، يعني إيه الكلام ده؟ يعني لازم بعد ما تتوب تأمّن نفسك، لأنك مش عايش لوحدك، في شيطان، والموضوع كله من أول قصة سيدنا آدم بيدور حوالين الشيطان.

هل الشيطان هيسيبك لما تتوب؟
طبعًا لا، هيحاول يرجعك تاني، لكن إزاي تضمن إنك ما ترجعش؟ الفكرة إنك تبعد عن المعصية بأكبر قدر ممكن، كل ما كنت قريب منها، لو اتزقيت زقة صغيرة ممكن ترجع. لكن لو كنت بعيد، حتى لو اتزقيت، مش هتقع بسهولة.

إزاي تحمي توبتك؟
١- الإكثار من الحصون
لو كنت مش بتصلي وقررت تبدأ، ما تكتفيش بالفروض بس، زوّد عليها النوافل، صلِّ في المسجد، حافظ على الصف الأول، كَبّر تكبيرة الإحرام، خلي الشيطان حتى لو حاربك، يبقى أقصى طموحه إنه يخليك تسيب السنن، مش الفروض.

٢- الابتعاد عن المحرمات والمساحات الرمادية
لو قررت تسيب الحرام، ما تسيبهوش لوحده، بُعدك لازم يكون شامل.
مثلاً:

  • لو كنت بتكلم بنات بطريقة غلط، ما تكتفيش بقطع الكلام، ابتعد عن الأماكن اللي ممكن تجمعكم.
  • لو كنت بتقعد على القهوة، وقررت تبطل الشيشة، ما تفضل قاعد فاضي، لأن الفراغ هيرجعك تاني. لازم تشغل وقتك بحاجات مفيدة، زي قراءة القرآن أو طلب العلم.
  • لو بعدت عن الصحبة السيئة، لازم تلاقي صحبة صالحة تعوضك، لأن الإنسان بطبيعته اجتماعي، وما يقدرش يعيش من غير أصحاب.

٣- الاشتغال بالبديل الصالح

  • لازم تحط في حياتك أنشطة تشغل وقتك، سواء طلب العلم، الدعوة إلى الله، خدمة الناس، أو أي شيء إيجابي يخليك دايمًا في حالة انشغال بالخير.

الاستعانة بالله والثبات

  • لازم تعرف إنك مش هتتوب ولا هتثبت على التوبة إلا بالله.

  • دايمًا افتقر إلى الله، واطلب منه الثبات في كل وقت.

  • استغل أي وقت استجابة للدعاء، زي السجود، الثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول المطر، وادعي:

    اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد
    اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
    اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسكنا الإسلام حتى نلقاك عليه

تحذير من الانتكاس

  • النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان بيدعي بهذه الأدعية رغم أنه معصوم، فإحنا أولى بالدعاء والثبات.
  • لو ربنا اصطفاك واختارك، والله كل شياطين الدنيا ما تقدر عليك، ولو تخلى عنك، هتقع حتى لو كنت أقوى واحد.

ختامًا
نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في القرآن العظيم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

جزاكم الله خيرًا، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أهلاً ومرحباً بكم في اللقاء الخامس والأخير من قصة آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

اليوم سنتحدث عن معاني جميلة راقية متعلقة بما انتهت إليه قصة آدم مع الذنب، وما آل إليه أمره من التوبة، ثم كيف اجتباه الله سبحانه وتعالى وهداه واصطفاه وتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم.

آدم عليه السلام سيظل نموذجًا يُحتذى به، ويظل قدوة للعالمين رغم أنه أذنب، لكنه يظل قدوة للعالمين في سرعة التوبة وفي الندم. الندم هو أول منازل التوبة، الندم أن يظل الإنسان مكسور القلب بسبب الذنب، وهذه بداية الخير. الانكسار الذي يحدث في قلب العبد بسبب الذنب قد يكون سببًا في خير كبير، كما سنبين الآن.

آدم عليه السلام كان واضحًا جدًا أنه عندما وقع في الذنب، ندم ندمًا شديدًا. أول شيء فعله أنه بدأ يغطي نفسه بورق الجنة، لم يكن الأمر بالنسبة له بسيطًا، لم يكن غير مبالٍ، بل كان حريصًا على أن يعرف كيف يتوب. وبمجرد أن علم الكلمات التي علمه الله إياها، قالها فورًا: "ربنا ظلمنا أنفسنا".

سنتعلم من آدم عليه السلام أشياء كثيرة، لكن من الأشياء التي تدل على شدة ندمه حديث الشفاعة. حديث الشفاعة يوضح لنا كيف أن الأنبياء يحملون في قلوبهم ندمًا شديدًا على الذنوب، لدرجة أن هذا الندم يرافقهم حتى يوم القيامة. رغم أن كل نبي ربما يكون قد فعل ذنبًا واحدًا فقط في حياته، وربما يكون ذلك الذنب وقع عن طريق الخطأ أو النسيان، إلا أن القلب يبقى مكسورًا بسببه.

وهذا من أجمل العبوديات التي يحبها الله، لأن هذا الشعور يدفع الإنسان لأن يكون أفضل، لأن يسعى إلى الخير، لأن يعمل الصالحات. عندما يتذكر الإنسان ذنبه، يتحفز لعمل الصالحات.

في يوم القيامة، يأتي الناس إلى آدم كما جاء في الحديث، فيقولون له: "يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده وأسكنك جنته"، فيقول: "أكلت من الشجرة"، ويقول لهم: "اذهبوا إلى غيري". رغم أنه يعلم أن الله قد تاب عليه، لكنه يشعر بالحياء من الله. هناك شيء يسمى الحياء من الله، حتى لو غفر الله لك، يظل الحياء من الله ملازمًا لك.

وهذا معنى قول أحد السلف: "وأسوأتاه وإن عفوت". تخيل أنك أخطأت في حق رجل كريم، رجل له فضل عليك، ثم علم هذا الرجل أنك ندمت، فجاء إليك وقال لك: "أنا سامحتك". كيف سيكون شعورك؟ ستشعر بحياء أشد من الحياء الذي شعرت به عند ارتكاب الخطأ. ستقول لنفسك: "أنا لا أستطيع أن أنظر في وجهه من كرمه".

آدم عليه السلام، رغم أن الله قد عفا عنه، إلا أن هذا العفو زاده حياءً. وهكذا يبقى الإنسان بين بقايا الندم وشدة الحياء من الله، وهذان الشعوران من أنفع المشاعر في قلب الإنسان.

لذلك، من شدة ندم آدم وحيائه من الله، رفض الشفاعة، وقال: "إني أكلت من الشجرة". ثم يذهب الناس إلى نوح عليه السلام، فيقول: "استعجلت الدعاء على قومي". ثم يذهبون إلى موسى عليه السلام، فيقول: "قتلت نفسًا"، رغم أنه قتلها خطأً، والله تاب عليه. لكن الأمر عند الأنبياء أعمق من ذلك بكثير.

تخيل هذا الندم الذي يحمله الأنبياء! النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الندم توبة"، والندم هو أول منازل التوبة. لذلك، إذا أذنبت، فلا تكن غير مبالٍ، بل احرص على الندم. بعض الناس يحاولون قتل هذا الشعور، ولكن لا تقتله، لأن هذا الشعور هو الذي سيدفعك إلى الإصلاح.

يقول أحد السلف: "رب معصية أدخلت صاحبها الجنة، ورب طاعة أدخلت صاحبها النار". كيف ذلك؟ قال: العاصي إذا ندم، استمر في عمل الحسنات حتى غفر الله له، بينما الطائع إذا أعجب بطاعته وافتخر بها، فقد يدخل النار بسبب عُجبه بنفسه.

عكرمة يفسر ذلك بقوله: "إن الشيطان يزين للعبد الذنب حتى يقع فيه، فإذا وقع فيه، تبرأ منه. ولا يزال العبد يبكي منه، ويتضرع إلى ربه، ويستكين، حتى يغفر له ذلك الذنب وما قبله من الذنوب. وعندها يندم الشيطان لأنه تسبب في توبة العبد وغفران ذنوبه".

آدم عليه السلام ندم، لكنه أيضًا سارع إلى التوبة. فبمجرد أن تلقى كلمات التوبة، قال: "ربنا ظلمنا أنفسنا"، وهذا أمر مهم. الله سبحانه وتعالى يقول: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم".

إذا وقعت في ذنب، فهذا ليس نهاية العالم. بعض الناس يدخلهم الشيطان في دوامة الإحباط واليأس، فيوسوس لهم أنهم لا فائدة منهم، وأنهم سيكررون الذنب دائمًا. لكن الحقيقة هي أنك مهما وقعت، عليك أن تقوم. إن الله لا يمل حتى تمل، الله غفار، يغفر الذنوب جميعًا مهما كثرت.

لكن حتى تكون توبتك صادقة، عليك أن تعزم على عدم العودة إلى الذنب. قل: "يا رب، لن أعود لهذا الذنب أبدًا"، وحاول، وجاهد نفسك. وإن وقعت مرة أخرى، فجدد التوبة بسرعة.

هل التوبة الأولى ضاعت؟ لا، مقبولة بإذن الله، لأنك عندما تبت في المرة الأولى، كنت عازمًا على عدم العودة. وعندما تجدد التوبة، تبدأ صفحة جديدة مع الله، وتُكتب لك حسنات جديدة.

السرعة في التوبة أمر مهم جدًا، لأن الشيطان يستغل لحظات الضعف ليجرك إلى المزيد من المعاصي. عندما تضعف وتقع في الذنب، يحاول أن يجعلك تقع في ذنوب أخرى متتالية. ولكن كن أذكى منه، لا تفتح له المجال، بل سارع إلى التوبة فورًا.

المهم هو أن تفهم أن الله رحيم، وأنه يقبل التوبة، وأنك كلما أسرعت في التوبة، كنت أقرب إلى المغفرة والرحمة.

أديك مثال، واحد مثلا كان بيصلي بالناس في المسجد، بيحفظ قرآن، بيحضر درس علم، ملتحي وكده، فحصل إنه كلم بنت أو عمل العادة السرية أو وقع في مشهد إباحي واتفرج عليه. طبعا، صدمة كبيرة بالنسباله، حاجة بقاله سنين ما عملهاش ووقع فيها، فمتضايق جدا من نفسه.

فالشيطان دخل له على طول، أو هو قرر من دماغه إنه "ما تنزلش بقى تصلي في المسجد، ما تنفعش، اللي انت فيه ده، توب الأول وبعد كده انزل المسجد". فبدأ يترك صلاة الجماعة، أو يترك إمامته للناس، أو يترك حفظ القرآن، أو لا يحضر مجلس العلم.

والشيطان أقنعه إنه لازم يعمل كده، علشان "ما انت وقعت خلاص، ما ينفعش تصلي بالناس وانت بتبص للبنات، ما ينفعش تحفظ قرآن لغاية ما تتوب من اللي انت فيه". فبدل ما تكون المعصية واحدة، بقت معاصي كثيرة. مش بس خلاه يقع في معصية، خلاه يتخلى عن كل أسلحته، وهي دي الأسلحة اللي هترجعه، والأسوأ من كده إنه يوقعه في معاصي تانية.

فيجي صاحبنا، بعد ما وقع في الإباحية دي، يحبط. فممكن ينزل يقعد على قهوة من شدة الإحباط، يقابل واحد زميله يديه له سيجارة، يقبلها، ضعف بقى، خلاص، شاف الإباحية، يروح يتفرج على فيلم أجنبي قديم كان عايز يشوفه، يقول "يلا كله بيجيب بعضه".

فمهم جدا جدا جدا، ودي أهم كلمة هقولها، إنك لو وقعت في معصية، فحصر الوقوع في هذه المعصية فقط لا غير. ما تعملش حاجتين:

  • ما تعملش معصية تانية تلحق المعصية الأولى بسبب الإحباط أو النفسية السيئة.
  • لا تترك أي طاعة من الطاعات اللي كنت بتعملها بسبب المعصية دي.

أوعى! لأن الشيطان على طول بيستغل لحظة الضعف دي يحاول يزود المعاصي ويحاول يخليك توقف عن الطاعات.

دلوقتي خلاص، كلمت بنت أو وقعت في العادة السرية، حصل اللي حصل.

  • سارع للندم، اسارع إلى التوبة، استغفر الله سبحانه وتعالى.
  • اغتسل، اعزم إن ده مش هيحصل تاني، وانزل صلِّي في المسجد عادي، روح درس القرآن عادي، احفظ القرآن عادي، احضر مجلس العلم عادي.
  • ما تبصش للنساء، ما تشوفش مسلسل ولا فيلم، وما تديش الشيطان حاجة ما كانش يحلم بيها.

ما تبقاش هو خد منك واحدة، تديله ثلاثة طواعية! قاوم! بل بالعكس، المفروض لو وقعت في معصية، تزود الطاعات مش تهرب منها وتقللها.

بمعنى:

  • "أنا وقعت في معصية؟ طب تعالَ بقى، أنا هتوب وهزوِّد الطاعات عشان ربنا يسامحني".
  • مش ربنا قال "إن الحسنات يذهبن السيئات"؟ يبقى أنا مثلا، عملت المعصية الفلانية، يبقى بكرة هصوم.
  • عملت المعصية الفلانية، يبقى الصلاة الجاية هتصدق بمبلغ كذا.
  • عملت المعصية الفلانية، يبقى هحفظ ضعف وردي في القرآن.

ده المفروض، عشان الحسنات تذهب السيئات، وعشان الشيطان يندم إنه وقعك في المعصية دي، وعشان الشيطان ما يجيلكش تاني. هو مش هيجيلك، لأنه هيعرف إنك سكتك واقفة، ومثلك ما ينفعش إن الشيطان يعمل معاه كده، لأنك كل ما تقع، تزود الطاعات.

الشاهد، إننا بنتكلم في حاجتين:

  • ما تتخلاش عن طاعة.
  • ما تقعش في معصية تانية.
  • ما تملش، ما تزهقش.

جملة جميلة:
الشيطان ليس هدفه الأساسي إنك تقع في الذنب، إنما هدفه الأساسي إنك تيأس من تكرار التوبة.

الشيطان مش مشكلته إنك وقعت، لأنه عارف إنك ممكن ترجع وربنا يقبلك وخلاص، اللي هو عمله راح. المشكلة عنده، إنه يوصلك لمرحلة "أنا زهقت من نفسي، مش هتوب تاني".

مهم جدا تتعامل بقاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع.
الشيطان بيهاجم؟ هاجمه!

إزاي؟

  • ادعُ إلى الله.
  • حذر الناس من المعصية اللي وقعت فيها.
  • علِّم غيرك مداخل الشيطان.

لو وقعت في معصية، توب منها، وخلي شغلك تحذير الشباب من نفس الذنب. صدقني، الشيطان هيكون أبعد ما يكون عن شخص زيك.

طيب، لو وقعت في ذنب، هل ده معناه إن "ربنا لا يريدني"؟

طبعا، الكلام ده غلط.
ربنا قال: "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما".

يعني ربنا يريد يتوب عليك، فلا تقول "ربنا لا يريدني"، ده كلام مش صحيح.

كل ما ترجع، ربنا يقبلك، بل ويفرح بك!
ربنا قبل توبة قاتل مائة نفس! بس الراجل كان عنده صدق، ورغبة حقيقية في التوبة.

مش العجب إن ربنا يغفر لك، لكن العجب إنه بعد المغفرة يتودد إليك!
ربنا قال: "وهو الغفور الودود".

يعني مش بس يغفر، بل يتحبب لعبده، ويتودد إليه، ويمحي الماضي تماما كأنه لم يكن.

وأخيرًا، عشان تكتمل توبتك، لازم تتأكد إن ذنبك ما كانش فيه حق لآدمي.

  • لو سرقت حد، لازم ترجّع له فلوسه.
  • لو ظلمت حد، لازم تستسمحه.

بعض الناس يتوب، ويقول "أنا ماليش دعوة بالناس، أنا توبت"، لا! دي توبة ناقصة. لازم رد المظالم لأهلها، عشان التوبة تكتمل وتكون صادقة.

الحاجات المهمة عشان تتوب

في حاجة اسمها حماية التوبة، صيانة التوبة، حراسة التوبة، يعني إيه الكلام ده؟ يعني لازم بعد ما تتوب تأمّن نفسك، لأنك مش عايش لوحدك، في شيطان، والموضوع كله من أول قصة سيدنا آدم بيدور حوالين الشيطان.

هل الشيطان هيسيبك لما تتوب؟
طبعًا لا، هيحاول يرجعك تاني، لكن إزاي تضمن إنك ما ترجعش؟ الفكرة إنك تبعد عن المعصية بأكبر قدر ممكن، كل ما كنت قريب منها، لو اتزقيت زقة صغيرة ممكن ترجع. لكن لو كنت بعيد، حتى لو اتزقيت، مش هتقع بسهولة.

إزاي تحمي توبتك؟
١- الإكثار من الحصون
لو كنت مش بتصلي وقررت تبدأ، ما تكتفيش بالفروض بس، زوّد عليها النوافل، صلِّ في المسجد، حافظ على الصف الأول، كَبّر تكبيرة الإحرام، خلي الشيطان حتى لو حاربك، يبقى أقصى طموحه إنه يخليك تسيب السنن، مش الفروض.

٢- الابتعاد عن المحرمات والمساحات الرمادية
لو قررت تسيب الحرام، ما تسيبهوش لوحده، بُعدك لازم يكون شامل.
مثلاً:

  • لو كنت بتكلم بنات بطريقة غلط، ما تكتفيش بقطع الكلام، ابتعد عن الأماكن اللي ممكن تجمعكم.
  • لو كنت بتقعد على القهوة، وقررت تبطل الشيشة، ما تفضل قاعد فاضي، لأن الفراغ هيرجعك تاني. لازم تشغل وقتك بحاجات مفيدة، زي قراءة القرآن أو طلب العلم.
  • لو بعدت عن الصحبة السيئة، لازم تلاقي صحبة صالحة تعوضك، لأن الإنسان بطبيعته اجتماعي، وما يقدرش يعيش من غير أصحاب.

٣- الاشتغال بالبديل الصالح

  • لازم تحط في حياتك أنشطة تشغل وقتك، سواء طلب العلم، الدعوة إلى الله، خدمة الناس، أو أي شيء إيجابي يخليك دايمًا في حالة انشغال بالخير.

الاستعانة بالله والثبات

  • لازم تعرف إنك مش هتتوب ولا هتثبت على التوبة إلا بالله.

  • دايمًا افتقر إلى الله، واطلب منه الثبات في كل وقت.

  • استغل أي وقت استجابة للدعاء، زي السجود، الثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول المطر، وادعي:

    اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد
    اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
    اللهم يا ولي الإسلام وأهله، مسكنا الإسلام حتى نلقاك عليه

تحذير من الانتكاس

  • النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان بيدعي بهذه الأدعية رغم أنه معصوم، فإحنا أولى بالدعاء والثبات.
  • لو ربنا اصطفاك واختارك، والله كل شياطين الدنيا ما تقدر عليك، ولو تخلى عنك، هتقع حتى لو كنت أقوى واحد.

ختامًا
نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في القرآن العظيم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

جزاكم الله خيرًا، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د/علاء حامد

                                                                                                      السابق

إقرأ أيضا :

تعليقات

  1. لإدخال كود <i rel="pre">ضع الكود هنا</i>
  2. لإدخال مقولة <b rel="quote">ضع المقولة هنا</b>
  3. لإدخال صورة <i rel="image">رابط الصورة هنا</i>
اترك تعليقا حسب موضوع الكتابة ، كل تعليق مع ارتباط نشط لن يظهر.
يحتفظ مسيري ومدراء المدونة بالحق في عرض, أو إزالة أي تعليق