آدم عليه السلام #3
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد، أهلاً ومرحباً بكم في اللقاء الثالث من قصة آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قصتنا اليوم مليئة بالفوائد، الله سبحانه وتعالى بعد ما حصل من أمره لإبليس أن يسجد لآدم عليه السلام مع أمره للملائكة، أبى إبليس واستكبر وكان من الكافرين. بعدها أذن الله تعالى لآدم أن يسكن في الجنة، وقال: "يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين".
الله سبحانه وتعالى أمر آدم أن يسكن الجنة، وكان الأمر الوحيد له هو ألا يأكل من شجرة معينة. لم يحدد القرآن نوع الشجرة، وهذا لأن التركيز يجب أن يكون على المعنى وليس على التفاصيل الشكلية. البعض يقول إنها شجرة تفاح أو موز أو مانجا، ولكن العلم عند الله، والتكلف في البحث عن نوع الشجرة لن يفيد بشيء. العبرة بالالتزام بأمر الله سبحانه وتعالى.
وهذا يعطينا درساً أن بعض الأمور في القرآن تُترك مبهمة حتى لا ينشغل الإنسان بما لا ينفعه، بل يركز على الحكمة والعبرة. فالشيء الذي لا يعود عليك بفائدة لا داعي من ذكره، وهذا يعلمنا أن لا نضيع وقتنا في أمور غير مفيدة.
الله سبحانه وتعالى قال لآدم: "إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى". الجنة، التي نحن مشتاقون إليها، هي منزلنا الأول، والله جعل فينا حباً لها وشوقاً إليها. وأعظم نعيم الجنة هو النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، كما أن أعظم نعيم الدنيا هو الشوق لله سبحانه وتعالى.
الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لا تعب فيها ولا نصب، وحين يدخل أهل الجنة يقولون: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب".
في الجنة لا يوجد ملل، لا ينام أهلها ولا يتعبون، بل يتلذذون بالطعام والشراب والراحة الأبدية. فيها الحور العين، فيها الفواكه، فيها النعيم المقيم. حتى القصور في الجنة مصنوعة من اللؤلؤ، يرى ظاهرها من باطنها.
لكن مع كل هذا الوصف الجميل، لا يجب أن يكون الكلام عن الجنة مجرد كلام فقط، بل يجب أن يكون هناك عمل وسعي لها. لذلك، النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط الوصف بالتطبيق، فيقول: "إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها"، ثم يضيف: "أعدها الله لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام".
بمعنى أن الجنة لها ثمن، وهو العمل الصالح، من قيام الليل، والصيام، واللين في الكلام، وإطعام الطعام، ونشر السلام. ليس الأمر مجرد تمنيات، بل لا بد من إعداد وتجهيز النفس للجنة. كما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: "متى الساعة؟"، فقال له: "فما أعددت لها؟".
الاستعداد للجنة يكون بحب الله ورسوله، واتباع منهجهم، والابتعاد عن الكفر وأهله. فمن أراد الجنة سعى لها، ومن أراد الآخرة سعى لها سعيها وهو مؤمن. فالجنة ليست مجرد حلم، بل تحتاج إلى عمل، صبر، وتضحية.
عند دخول الجنة، سيُنسى كل تعب وشقاء في الدنيا. يؤتى بأشد أهل الدنيا بؤساً لكنه من أهل الجنة، فيُغمس في الجنة غمسة واحدة، ثم يُسأل: "هل رأيت بؤساً قط؟"، فيقول: "لا وعزتك، ما رأيت بؤساً قط".
آدم دخل الجنة وأبى ابليس إلا أن يغويه، وقرر أن الحرب تبدأ: "لأغوينهم أجمعين، لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم".
ابليس لما عَدَّى الخطة لإغواء آدم عليه السلام، بدأ يجهز لها كويس، كان عنده طول بال وصبر، وكان مركز على كذا حاجة، وده طريق ابليس عمومًا مع أي حد.
ابليس بيركز على حاجتين: بيركز على الشهوات، ويحاول يستغل لحظة من لحظات الغفلة، فلو اجتمعت شهوة مع غفلة يتمكن الشيطان من إيقاع الإنسان. قيل إن ابليس حتى لما ربنا صوَّر آدم دخل فيه ابليس وطلع قبل ما تُنفَخ فيه الروح، فقال: "فلأجوفٌ"، فلما لَقَاه مجوف عرف إن التجاويف دي هتكون عشان حاجة تتملى، يعني فيه تجويف هنا يبقى دي بطن يبقى فيه حاجة، فيه تجويف في الإنسان طالما فيه تجويفات يبقى فيه حاجات، التجويف ده عشان حاجة، طالما فيه حاجات يبقى فيه شهوات، وطالما فيه شهوات أنا عرفت هخش له منين، هخش له من الشهوات.
فعرف الشيطان إن الإنسان له مداخل وهي الشهوات، فقرر إن يكون إغواءه لابن آدم عن طريق الشهوات. طيب الشهوات دي مش هتبقى كفاية، ما أفرض واحد ذهنه حاضر ما بيغفلش أبدًا؟ هيركز على الغفلات، يحاول يقتنص منك غفلة مع شهوة، تحصل الإيه؟ يحصل الوقوع.
عشان كده ابن القيم في كتاب "الداء والدواء" بيحكي عن الشيطان كأنه بيكلم أتباعه وبيقول: "استعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تُغلبوا معهما، أحدهما جند الغفلة فاغفلوا بني آدم عن الله والدار الآخرة بكل طريق، فليس لكم أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك، فإن القلب إذا غفل عن الله تعالى تمكنتم منه ومن إغوائه. الثاني جند الشهوات، فزينوها في قلوبهم، وحسنوها في أعينهم، وصولوا عليهم بهذين العسكرين، فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما".
شوف الكلام! عشان كده بنقول: الإنسان محتاج يكون دايمًا في حال يقظة، ما يغفل أبدًا.
بص المدخل: آدم قال له: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟
"شجرة الخلد وملك لا يبلى" شهوتين:
- شهوة الإنسان إنه يعيش للأبد، ما يموتش، ما يمرضش، عايز يعيش للأبد.
- شهوة إنه يكون عنده ملك لا يزول.
فهو مش بيقول له "هل أدلك على شجرة؟" لا، بيقول له "هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى".
آدم عليه السلام أكيد ما حصلش منه الأمر ده في البداية، لكن ما زال به ابليس، ما زال ينتظر منه إنه يصدقه. بس دعم طريق الشهوات ده بأنه أقسم بالله تعالى لآدم: "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين".
آدم اغتر بهذا القسم، وظن أن مفيش حد ممكن يقسم بالله كاذبًا، ومع التزيين والوعود والأماني حصل اللي حصل، وأكل آدم من الشجرة، علشان دي تبقى عبرة بعد كده لكل حد.
في مسألة مهمة، تأكد إن الشيطان بيلعب أولًا على الشهوات، بيزين لك النساء، لأنه بيعتمد على الشهوة:
"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين".
ممكن يخليك بسبب ابنك تعصي الله تعالى!
ابنك يقول لك: يا بابا عايز أعمل كذا (وهو حرام)، عايز أتفرج على كذا (وهو حرام)، اشترك لي في كذا (وهو حرام)، فانت تقول: ده ابني وحبيبي وماقدرش أزعل ابني!
بنتك عايزة تلبس متبرجة، مش عايزة تلبس حجاب، تقول: مش عايز أضايقها، مش عايز أزعلها، فتسيبها متبرجة، تعمل اللي هي عايزاه، تروح الساحل وتخرج مع صحابها عشان تكون "أب متحضر" وما تضايقش بنتك!
"حب الشهوات من النساء"
النساء توقعك في النظر، توقعك في الإباحية، توقعك في الزنا، توقعك في التحرش!
"والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة"
توقعك في الرشوة، في أكل المال الحرام، في إنك تشتغل شغلانة حرام، تبيع حاجة حرام، تقترض بالربا، تسرق، تحتال، وكل ده بحجة "إحنا عايزين ناكل عيش"!
هيشتغل عليك على الشهوات وهيقول لك إن مفيش طريق لنيل الشهوات إلا الطريق الحرام، ويقبح لك كل طريق حلال.
هيخوفك من الالتزام، هيخوفك إنك تلتزم بالدين، هيحسسك إنك مش هترزق لو مشيت في الحلال، لكن لا، مفيش غير الحرام!
وبيستغل مع كل ده الغفلات.
"الغفلات" يعني إيه؟ يعني يغفلك عن الله واليوم الآخر.
تقول لي: هو فيه حد بينسى ربنا واليوم الآخر؟ آه، مش نسيان بمعنى الإنكار، لكن بمعنى إن الإيمان يقل، حضور الله والدار الآخرة في ذهنك مش دايمًا ثابت.
الشيطان بيخليك تشوف المعاصي عادية، ولما تيجي تعمل حاجة غلط، يقول لك: مفيش مشكلة، بكرة تتوب، انت أحسن من غيرك، انت مش وحش قوي، وربنا غفور رحيم!
ويبدأ يغير الأسماء:
- بدل ما يقول "الربا"، يقول لك "فوايد".
- بدل ما يقول "الخمر"، يقول لك "مشروب روحي".
- بدل ما يقول "التبرج"، يقول لك "حرية".
- بدل ما يقول "الفجور"، يقول لك "فن".
عشان كده لازم نحافظ على مسميات المنكرات، لأن تغيير الاسم بيخلي قبح الحاجة يقل في القلب.
الشيطان دايمًا بيلعب على الأماني والتزيين والتزييف والغرور، وتغيير الأسماء مع الغفلة مع الشهوات، لحد ما ينتصر في كل المعارك!
الحل ان انت لا تغفل ابدا عن الله والدار الاخره بدوام ذكر الله بدوام قراءة القران بتدبر بدوام استحضار عظمه الله وبعد كده تحاول توصل لشهواتك بالحلال مش بالحرام، بالزواج بطلب المال الحلال وهكذا. فتاكد منهج ابليس منهج خطير، مهم قوي ان احنا نتامل في امر الله سبحانه وتعالى لادم. ربنا ما قالوش ليه ما تاكلش من الشجره، امره قلا ياكل من الشجره، ما قالوش ليه وادم ما سالش ليه، ودي عبوديه. اه في الاخر ادم يعني ذل هذه الذل، لكن من الحاجات الجميله ان ادم عليه السلام اصلا ما سالش ربنا في البدايه ليه ماكلش من الشجره ديت، مع انها شجره فيها فاكهه، اكيد يعني اكيد حاجه مش حرام، ليه ما اكلش منها؟ فكان طبعا واضح ان عدم الاكل من الشجره غرضه عبوديه محضه، يعني اكيد الشجره دي مش مش مش ضاره مثلا، مش مسممه. العله كانت تعبديه وكان في حكم طبعا ان ربنا يختبر ادم، وتبدا بقى مرحله الصراع بين ادم وبني ادم، ادم وبعد كده ابليس والكلام دوت. لكن الفكره ان ادم ما سالش اصلا، يعني وده من جمال ادم عليه السلام، ما قالش يا رب ليه يعني ليه الشجرة اشمعنى دي بالذات.
بعض الناس عنده حته ما عندوش استسلام لامر الله سبحانه وتعالى، عنده كل حاجه لازم ي ليه، ليه ربنا ناع عن كده؟ لا اقنعني، اصل انا مش مقتنع، اصل اصل لا مش انا مش شايف في حكمه. لو مشيت ورا دماغك كده في حاجات كتير في الدين مش هتعملها، لان انت ما عندكش اجابه ليه؟ ليه بنصلي العصر اربع ركعات؟ وليه بنصلي المغرب ثلاثه؟ وليه الفجر اثنين؟ وليه نركع ركوع واحد وسجودين؟ ليه بنسلم مرتين؟ يعني ليه؟ وهكذا، هتقعد تسال نفسك اسئله كتير، ليه بنطوف سبع اشواط حوالين الكعبه؟ ليه بنرمي الجمرات؟ هنقعد انت تمشي كده ورا امور ممكن انت مش عارف الحكمه منها، ممكن تكون حكمتها تعبديه، ربنا بيبتليك عبوديه، وممكن يكون ليها حكم كتير وانت مش عارفها.
بغض النظر انت عرفت الحكمه ولا ما عرفتهاش، انت دورك عبد. الصحابه رضي الله عنهم ضربوا اروع الامثله في باب الاستسلام لامر الله، عشان كده عدوا. هو ايه الفرق بين الصحابه وبين بني اسرائيل؟ الفرق كلمه واحده: سهوله الاستجابه لامر الله.
استجابه الصحابه لاوامر الله كانت سريعه. لما نزل تحريم الخمر، قالوا: "انتهينا انتهينا" وانتهوا فعلا. لما نزل الامر بالحجاب، خرجت النساء الانصار في الفجر، شققن مروطهن ولبسنها مباشرة بدون تردد. لما تحولت القبله، الصحابه لفوا 180 درجه وهم بيصلوا بدون نقاش. هذه هي العبوديه الحقيقيه، الاستجابه السريعه بدون جدال.
دلوقتي لو عرفت ان السجائر حرام، امتى بطلتها؟ لو عرفت ان الاباحيه حرام، فين سرعه استجابتك؟ لو عرفت ان العاده السريه حرام، فين قرارك بتركها؟ لو عرفت ان ترك صلاه الفجر متعمد من اكبر المنكرات، امتى قررت تصلي الفجر حاضر؟
المناهج الفاسده زي الليبراليه والعلمانيه والافكار النسويه، بتدخل من باب العقلانيه، ويقولك: "لا، انا لازم اقتنع". اقتنع بايه؟ لازم تفهم كل الحكمه علشان تنفذ امر ربنا؟ طيب لو رحت للدكتور وكتب لك علاج، هل هتقوله مش هاخد العلاج غير لما افهم الطب كله؟ لا، انت هتاخده لانك واثق في علمه. فما بالك برب العالمين؟
قاعده مهمه: مش كل حد بيقول لك انا ليك ناصح فهو لك بالفعل ناصح. ممكن يكون بينصحك لكنه بيضرك، زي اللي يقولك: "جرب تتكلم مع بنات عشان ما تبقاش غشيم"، أو "البسي عادي علشان تتجوزي"، أو "غش في الامتحان علشان تعدي"، كل دي مش نصائح حقيقيه، دي فخاخ شيطانيه.
النصيحه الحقيقيه هي اللي توافق كلام الله وسنه النبي صلى الله عليه وسلم. غير كده، فهو خداع حتى لو صاحبه اقسم انه لك من الناصحين. فاحترس، مش اي نصيحه تبقى نصيحه، تأكد انها موافقه للكتاب والسنه.
دي الحلقه الثالثه بتاعتنا، ان شاء الله الحلقه القادمه في فوايد كتير في قصه ادم عليه السلام. تابعونا في الحلقه الرابعه، جزاكم الله خيرا. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اشهد ان لا اله الا انت، استغفرك واتوب اليك.
1.png)