آدم عليه السلام #2
1.png)
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، أهلًا ومرحبًا بكم في اللقاء الثاني من قصة آدم عليه السلام.
نتناول الفوائد الإيمانية والتربوية، فمش هدفنا قوي إننا نسرد القصة بطريقة السرد القصصي المعروف، ولكن نقف على ما يصلح به القلب، وما ينفعنا في الدنيا، وما ينجينا في الآخرة. وهذا هو المقصد الأساسي من دراسة أي قصة ذكرها الله في كتابه، أو ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، فالعبرة بالفوائد، والعبرة بالعمل، والعبرة بماذا خرجنا من القصة.
لذلك، قصص القرآن والأمثال لا يعقلها إلا العالمون، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون. فإذا كانت الأمثال لا يعقلها إلا العالمون، فكيف الحال بالقصص وهي أعظم وأكبر وأعلى في الفوائد من الأمثال؟
المرة الماضية وقفنا عند بعض الفوائد من خلق آدم، مثل الرد على الدهريين، والحديث عن الفطرة السوية من خلق الذكر والأنثى، والرد على دعاوى الشذوذ والجندرية أو الدور الاجتماعي الذي يتحدث عنه البعض.
واليوم ننتقل إلى مشهد آخر معروف من قصة آدم عليه السلام، وهو مشهد أن الله تعالى بعدما خلق آدم ونفخ فيه من روحه سبحانه وتعالى، أمر الملائكة أن تسجد له، فقال: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين". فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، أبى أن يكون مع الساجدين.
الذي حدث أن الملائكة عندما رأت تكريم الله تعالى لآدم مع أمر الله سبحانه لهم بالسجود له، سجدوا مباشرة. والسجود هنا طبعًا سجود تكريم وليس سجود عبادة، فقد كان هذا مشروعًا قبل الإسلام، كما سجد يعقوب ليوسف في نهاية القصة: "وخروا له سجدًا". وكان هذا السجود تكريمًا، حيث إنه كان في السابق عندما يريد أحد تكريم شخص أو بيان علو شأنه كان يسجد له، لكن هذا الحكم انتهى في الإسلام بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها".
لكن هنا يأتي السؤال: ما علاقة إبليس بالقصة؟ إبليس لم يكن أصلًا من الملائكة، ولكنه كان كما يُقال أعبد الجن، فرفعه الله إلى منزلة الملائكة، فصار يعبد الله معهم ويتعامل معاملتهم. فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، كان الأمر يشمله أيضًا. فلا يأتي أحد ليقول: "إبليس ما ذنبه؟ الله أمر الملائكة فقط!". إبليس نفسه يعلم أن الأمر موجه إليه كما هو موجه للملائكة، فهو يعلم ذلك يقينًا.
وربنا قالها له صراحة: "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟". رغم أن الله قال "للملائكة"، إلا أن إبليس كان يعلم أن أي أمر للملائكة يشمله بالتبعية. فسجد الجميع إلا إبليس، الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين.
هنا نقف على عدة نقاط:
أولًا، لماذا لم يسجد إبليس؟ السبب هو الحقد والحسد على آدم عليه السلام، فقد قال: "لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون". وفي آية أخرى: "خلقتني من نار وخلقته من طين". وقال أيضًا: "أرأيتك هذا الذي كرمت علي، لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا". إذن، السبب الأساسي هو الكبر والحسد والحقد.
وهنا نطرح سؤالًا مهمًا: كيف وقع إبليس في هذا الفخ، وهو الذي كان أعبد الجن؟ كيف تحول من أعبد المخلوقات إلى ملعون مطرود مرجوم، بل أسوأ أهل النار؟
هذا التحول لم يحدث فجأة، وإنما كان بسبب مرض دفين في قلبه. فإبليس لم يُصَب بالكبر في لحظة الأمر بالسجود، بل كان الكبر موجودًا فيه من قبل، والأمر بالسجود كشفه فقط، ولم يوجده.
وهذا درس مهم لنا جميعًا، فربما يكون الإنسان ملتزمًا وظاهره الصلاح، لكنه يحمل في داخله أمراضًا خفية مثل الكبر أو الحسد أو الحقد. هذه الأمراض لا تظهر إلا عند المواقف التي تختبر الإنسان. فإبليس كان يتعامل معاملة راقية، فكان في منزلة الملائكة، وكان يُعامل معاملة عظيمة، فلم يكن هناك ما يُظهر كبره.
لكن عندما جاء الأمر الذي لم يعجبه، ظهر كل شيء دفعة واحدة. وهذا تحذير لكل شخص لديه مرض دفين، سواء كان كبرًا أو حسدًا أو رياءً أو غيره، فيجب عليه معالجته قبل أن تأتي لحظة يظهر فيها هذا المرض ولا ينفعه الندم.
لذلك، الكبر هو أقبح الذنوب على الإطلاق، وربنا سبحانه لا يقبل أن يكون في قلب عبد ذرة كبر، لأن الكبر هو أول معصية عُصي الله بها. وليس مجرد رفض إبليس السجود هو أول معصية، بل الكبر الذي كان في قلبه قبل ذلك.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة". وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي".
إبليس تكبر، وتكبر بناءً على ماذا؟ بناءً على أنه يرى نفسه أفضل من آدم. لكن الله بين أن آدم مكرم عليه، فخلق الإنس أكرم من الجن، وآدم مكرم على إبليس. وطالما أن الله أمر أحدًا بالسجود لآخر، فهذا يعني أن المسجود له أكرم ممن سجد له. وهذا أمر يجب التسليم به، لأن الله أعلم بمن هو أكرم وأتقى.
اعترض ويا ريته يعني بيستفسر زي الملائكة. لما قالت لما قالت باستفهام تجعل فيها من يفسد فيها، كان ممكن إبليس يسأل طب انت ليه بتؤمرني أسجد له؟ ما عنديش اعتراض بس عايز أفهم. يا ريته حتى عمل كده، لكن إبليس كمان رد رد من دماغه بهواه فقال بتقديره هو: خلقتني من نار وخلقته من طين. فهو أصلا رد أمر ربنا اللي هو الأمر المباشر بقياس في دماغه، عشان كده بيقولوا العلماء بتوع الأصول: لا قياس مع النص. ما ينفعش يبقى في نص بيقول لك ده حرام، فانت تقول لا ده حلال قياسًا على كذا! قياسًا إيه؟ بقول لك نص، خلص، مافيش قياس طالما في نص. فهو إبليس عمل قياس ويا ريته قياس صحيح، ده عمل قياس بيسموه "قياس فاسد"، يعني إيه قياس فاسد؟ يعني معاييره فاسدة، يعني حتى عند التأمل حجته ضعيفة. إبليس بيقول: أنا ما أسجد، النار ما تسجد لطين، ليه؟ النار أكرم من الطين؟ مين قال كده؟ يعني حتى لما تيجي تفكر بالراحة، هو أصلا النار أكرم من الطين؟ ده في كذا مشكلة غلط تمامًا.
أولًا، النار غالبًا ضرر، والطين كله خير. النار فيها الطيش يعني عدم الاستقرار، والطين فيه سكينة وثبات. يعني كل صفات الطين فعلا أفضل من صفات النار تقريبًا. حتى القياس اللي قاسه كان قياس فاسد، وده بيرجعنا لنقطة تربوية مهمة، أن أحيانًا الإنسان بيبقى فيه حكم لله سبحانه وتعالى، وكل واحد فينا بيبص للحكم ده من زاوية واحدة. فممكن واحد يقول: الحجاب؟ طب ما الحجاب ده بيضيق على المرأة، فبالتالي الحجاب مش كويس، الحجاب ده بيحرمني، في الحر بيتعبني، في الصيف بيتعبني، فيبقى إذن الحجاب مش كويس، الحجاب ده تقييد للحرية! فكل واحد بيبص لنقطة صغيرة جدًا، وعلى أساسها يرد أمر ربنا ويفترض أنه كده العبقري اللي بيقول إن مافيش حكمة من الحجاب طالما بيغطي وبيحرر، ونسى آلاف المصالح اللي ممكن نتكلم عنها في مسألة زي كده.
إحنا بنتعلم من الموقف ده إن ما ينفعش إنك بعقلك تروح قايس مصلحة معينة وترد أمر ربنا عشان المصلحة المتوهمة اللي في دماغك دي. تأكد دائمًا إن أمر الله هو الحكمة، وإن خفيت عليك الحكمة برضه ما ينفعش إنك ترد أمر الله، فضلًا عن إنك ترد أمره بوهم في دماغك ملوش أي اعتبار. فالله سبحانه وتعالى هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، علشان تقول لربنا: الصح كذا أو المفروض كذا، يبقى لازم يكون عندك علم ربنا، وما فيش حد فينا عنده علم ربنا، يبقى بالتالي المنطق بيقول إنك تستسلم لمن له العلم والحكمة.
الحاجة الثانية اللي ظهرت في إبليس: الحسد! الحسد ده دمار يا جماعة، دمار شامل. الحسد يا جماعة ما بيحرق إلا الحاسد، ليه؟ لأن الحسد في الآخر رزق، وربنا لن يمنعه أحد. "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعد". الحاسد بيحرق نفسه وبيتحرق لما بيشوف كل نعمة ربنا بينعم بها على العبد. الحاسد بيحترق في كل مشهد من هذه المشاهد، فهو الحاسد في الحقيقة عبارة عن نار بتحرق نفسه فقط، ورزق الله لن يمنعه أحد. سبحان الله، الحاسد في الحقيقة مش معترض على المحسود، هو معترض على الله سبحانه وتعالى!
لذلك، ربنا بيقول: "أهم يقسمون رحمة ربك؟" هم اللي هيقولوا مين ياخد إيه ومين ما ياخدش؟ يبقى أنت لما تعترض إن ربنا أعطى فلان كذا أو منعك كذا، فأنت مش بتعترض على فلان، أنت بتعترض على الله! الحسد هو اللي دمر اليهود وخلاهم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام، الحسد هو اللي خلى قريش تكفر بالنبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر، الحسد هو اللي أحرق إبليس وطرده من الرحمة، الحسد هو اللي خلى ابن آدم يقتل أخوه بسبب الحسد!
الحسد مرض رهيب يحرق ويدمر، وفي النهاية، لو كان الحاسد بس اهتم بنفسه وطلب من الله، يا أخي اللي أعطاه يديك! اطلب من الله، ما فائدة الحسد؟ اطلب من الله الذي أعطاه أن يعطيك، أو لو أنت مقصر في حاجة، اعملها!
إبليس لما تكبر وحسد، كانت النتيجة إيه؟ "وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين"، الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، لكن مش طرد عادي، طرد إلى يوم الدين، حُسمت المسألة. علم الله أن إبليس لن يتوب أبدًا، وفعلا هو لم يتب ولم يعتذر من يومها ولن يعتذر! لذلك، الحذر كل الحذر من كل عمل يتسبب لك في اللعن. اللعن ده أسوأ عقوبة على الإطلاق، يعني لما اختار الله لإبليس العقوبة، اختار له اللعن: "وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين".
أي نص في الكتاب والسنة تسمع فيه كلمة "لعن"، اهرب منه كأنك بتهرب من أسد! لأن ده أسوأ شيء، النبي عليه الصلاة والسلام لعن أقوامًا، زي مثلًا الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والراشي والمرتشي، والمرابي، وأكل الربا، وشاهد الربا، وكاتب الربا، والنائحة، والمحلل والمحلل له، وكل شيء ورد فيه "لعن الله..." يعني المسألة رهيبة جدًا! أوعى تضع نفسك في معصية ورد فيها "لعن"، دي بالنسبالك خط أسود، مش أحمر، لا تقترب منه أبدًا!
إبليس توعد وقال: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين"، وربنا قال له: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان". الشيطان ملوش أي قوة إلا على اللي خرج من دائرة العبودية، لكن اللي فرغ قلبه لعبادة الله مخلصًا له، الشيطان لا يستطيع أن يمسه.
لذلك، أشرف شيء للإنسان أنه يكون عبدًا لله، أشرف مقامات الأنبياء هي العبودية: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب"، "سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا"، "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا". العبودية هي أشرف صفة ينالها الإنسان، وكل ما تحقق العبودية وتحقق الإخلاص لله، تأكد أن الشيطان لا سبيل له عليك!
أما لو خرجت من عباءة العبودية، أو امتلأ قلبك بالأمراض، سيتمكن منك الشيطان. إبليس طلب من ربنا طلب غريب: "أنظرني إلى يوم يبعثون"، يعني إديني مهلة، وفعلا ربنا استجاب وقال: "إنك من المنظرين". لكن خد بالك، مش كل استجابة معناها كرامة، فربنا أعطى إبليس عمرًا طويلًا لكنه أبغض خلق الله. القاعدة هنا: "إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، لكنه لا يعطي الآخرة إلا لمن يحب".
فلو عايز تعرف مقامك عند الله، لا تنظر إلى عطايا الدنيا، بل انظر إلى ما أعطاك الله من أمور الآخرة.